فخر الدين الرازي
160
تفسير الرازي
أنه هل يظهر سائر المعجزات أم لا ؟ فلا تأثير له في هذا الباب بعد أن ثبت أنه تعالى حكم بصحة هذه النبوة بواسطة إظهار المعجز الواحد . قوله تعالى * ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : * ( وتمت كلمة ربك ) * بغير ألف على الواحد ، والباقون * ( كلمات ) * على الجمع ، قال أهل المعاني ، الكلمة والكلمات ، معناهما ما جاء من وعد ووعيد وثواب وعقاب ، فلا تبديل فيه ولا تغيير له كما قال : * ( ما يبدل القول لدي ) * ( ق : 29 ) فمن قرأ * ( كلمات ) * بالجمع قال : لأن معناها الجمع فوجب أن يجمع في اللفظ ، ومن قرأ على الوحدة فلأنهم قالوا : الكلمة ، قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد ، كقولهم : قال زهير في كلمته : يعني قصيدته ، وقال قس في كلمته ، أي خطبته ، فكذلك مجموع القرآن كلمة واحدة في كونه حقاً وصدقاً ومعجزاً . المسألة الثانية : أن تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى بين في الآية السابقة أن القرآن معجز ، فذكر في هذه الآية أنه تمت كلمة ربك ، والمراد بالكلمة - القرآن - أي تم القرآن في كونه معجزاً دالاً على صدق محمد عليه السلام ، وقوله : * ( صدقاً وعدلاً ) * أي تمت تماماً صدقاً وعدلاً ، وقال أبو علي الفارسي : * ( صدقاً وعدلاً ) * مصدران ينصبان على الحال من الكلمة تقديره صادقة عادلة ، فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها . المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية تدل على أن كلمة ا لله تعالى موصوفة بصفات كثيرة . فالصفة الأولى : كونها تامة وإليه الإشارة بقوله : * ( وتمت كلمة ربك ) * وفي تفسير هذا التمام وجوه : الأول : ما ذكرنا أنها كافية وافية بكونها معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، والثاني : أنها كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى قيام القيامة عملاً وعلماً ، والثالث : أن حكم الله تعالى هو الذي حصل في الأزل ، ولا يحدث بعد ذلك شيء ، فذلك الذي حصل في الأزل هو التمام ، والزيادة عليه ممتنعة ، وهذا الوجه هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " .